الشيخ محمد رشيد رضا

78

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من بيانها بالقول والعمل ، فيعرف الحكم مع حكمته ، ويفصل العلم المجمل بالعمل به ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ الذين نفروا للقاء العدو إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي يجعلوا جل همهم من الفقاهة بأنفسهم ارشاد هؤلاء وتعليمهم ما علموا ، وانذارهم عاقبة الجهل ، وترك العمل بالعلم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي رجاء أن يخافوا اللّه ويحذروا عاقبة عصيانه . ويكون جميع المؤمنين علماء بدينهم قادرين على نشر دعوته ، وإقامة حجته ، وتعميم هدايته ، فهذا ما يجب أن يكون غاية العلم والتفقه في الدين والغرض منه ، لا الرياسة والعلو بالمناصب ، والتكبر على الناس وطلب المنافع الشخصية منهم والآية تدل على وجوب تعميم العلم والتفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة وتفقيه الناس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم ، ويكونون به هداة لغيرهم ، وان المتخصصين لهذا التفقه بهذه النية ، لا يقلون في الدرجة عند اللّه عن المجاهدين بالمال والنفس لاعلاء كلمة اللّه والدفاع عن الملة والأمة . بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع فرضا عينيا والدلائل على هذا كثيرة ، وما قاله بعض الأصوليين من دلالة الآية على الاحتجاج بخبر الواحد متكلف بعيد عن معنى النظم الكريم ، ومبني على أن لفظ طائفة يطلق على الواحد كما قيل وهو باطل كنت أطلب العلم في طرابلس وكان حاكمها الإداري ( المتصرف ) فيها مصطفى باشا بابان من سروات الكرد ، وكان من أهل العلم والفقه في مذهب الشافعية ، وقد قال لي مرة في دارنا بالقلمون : لماذا تستثني الدولة العلماء وطلاب العلوم الدينية من خدمة العسكرية وهي واجبة شرعا وهم أولى الناس بالقيام بهذا الواجب ؟ - يعرض بي - أليس هذا خطأ لا أصل له في الشرع ؟ فقلت له على البداهة بل لهذا أصل في نص القرآن الكريم وتلوت الآية ، فاستكثر الجواب على مبتديء مثلي لم يقرأ التفسير وأثنى ودعا . وقد تعارضت الروايات المأثورة في هذه الآية فاختلفت الأقوال في تفسيرها والحق فيها ما قلنا وعليه الجمهور أخرج أبو داود في ناسخه ، وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ( رض ) قال نسخ هؤلاء الآيات ( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا - إِلَّا تَنْفِرُوا